ابن الأثير
457
الكامل في التاريخ
أيّكم أحسن عملا ، وقد عفونا لكم ما سلف من إخراب البلاد ، وتشريد الرّعايا ، وتقبيح السّمعة ، وإظهار الباطل الجليّ في صورة الحقّ الخفيّ حيلة ومكيدة ، وتسمية الاستئصال والاجتياح [ 1 ] استيفاء واستدراكا لأغراض انتهزتم فرصتها مختلسة من براثن ليث باسل ، وأنياب أسد مهيب ، تتّفقون بألفاظ مختلفة على معنى واحد وأنتم أمناؤه وثقاته ، فتميلون رأيه إلى هواكم ، وتمرجون باطلكم بحقّه ، فيطيعكم وأنتم له عاصون ، ويوافقكم وأنتم له مخالفون ، والآن قد بدّل اللَّه سبحانه بخوفكم أمنا ، وبفقركم غنى [ 2 ] ، وبباطلكم حقّا ، ورزقكم سلطانا يقيل العثرة ويقبل المعذرة ، ولا يؤاخذ إلّا من أصرّ ، ولا ينتقم إلّا ممّن استمرّ ، يأمركم بالعدل وهو يريده منكم ، وينهاكم عن الجور وهو يكرهه لكم ، يخاف اللَّه تعالى ، فيخوّفكم مكره ، ويرجو اللَّه تعالى ، ويرغّبكم في طاعته ، فإن سلكتم مسالك خلفاء اللَّه في أرضه وأمنائه على خلقه وإلّا هلكتم ، والسلام . ولمّا توفّي وجدوا في بيت ، في داره ، ألوف رقاع كلّها مختومة لم يفتحها ، فقيل له ليفتحها ، فقال : لا حاجة لنا فيها ، كلّها سعايات . ولم أزل ، علم اللَّه سبحانه ، مذ ولي الخلافة ، أخاف عليه قصر المدّة لخبث الزمان وفساد أهله ، وأقول لكثير من أصدقائنا : وما أخوفني أن تقصر مدّة خلافته ، لأنّ زماننا وأهله لا يستحقّون خلافته ، فكان كذلك .
--> [ 1 ] والاحتياج . [ 2 ] غنا .